الشيخ محمد علي طه الدرة
416
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
جار ومجرور متعلقان ب الْوَصِيَّةُ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة ؛ لأنه مثنّى ، وهذا ما جرى عليه ابن هشام في المغني ، وقد ردّ على الأخفش ، الذي اعتبر الْوَصِيَّةُ مبتدأ ، وخبره لِلْوالِدَيْنِ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط ، وحذفت الفاء التي تقع في جواب الشرط ؛ إذا كانت الجملة اسمية ، كما في قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت - رضي اللّه عنهما ، وهو الشاهد رقم [ 146 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ البسيط ] من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشّرّ بالشّرّ عند اللّه مثلان إذ التقدير : فاللّه يشكرها ، فقال : مردود ؛ لأن الفاء لا تحذف إلا في ضرورة الشّعر ، والقرآن لا ضرورة فيه ، بل هو منزّه عن الضرورة ، واعتبر الْوَصِيَّةُ نائب فاعل كُتِبَ . هذا ؛ وردّ مكيّ ما تقدم بقوله : الْوَصِيَّةُ رفع بالابتداء ، والخبر محذوف ، أي : فعليكم الوصية . ويبعد رفعها ب كُتِبَ لأنها تصير عاملة في إِذا فإذا كانت إِذا في صلة الوصية ؛ فقد قدمت الصّلة على الموصول ، ونائب فاعل كُتِبَ مضمر دلّت عليه ( الْوَصِيَّةُ ) تقديره : كتب عليكم الإيصاء إذا حضر ، فالإيصاء عامل في إِذا . انتهى بتصرف . وهو كلام فيه تكلّف ، ثم ذكر كلاما للنّحاس بعيدا كل البعد . وَالْأَقْرَبِينَ : معطوف على ما قبله مجرور مثله ، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، والنون فيه ، وفي سابقه عوض عن التنوين في الاسم المفرد . بِالْمَعْرُوفِ : متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف ، أو من الْوَصِيَّةُ إن كانت نائب فاعل ، أي : ملتبسة بالمعروف . حَقًّا : مفعول مطلق لفعل محذوف ، أي : حقّ ذلك حقّا . قال أبو البقاء : ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ، أي : كتبا حقّا ، أو إيصاء حقّا . قال الجلال : حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله . أقول : وعلى تقدير فعل قبله ، فجملته في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها . عَلَى الْمُتَّقِينَ متعلقان ب حَقًّا أو بمحذوف صفة له . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 181 ] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) الشرح : فَمَنْ بَدَّلَهُ : فمن غيّر الإيصاء عن وجهه ، إن كان موافقا للشرع من الأوصياء ، والشهود . فَإِنَّما إِثْمُهُ أي : التبديل المفهوم من : بَدَّلَهُ . عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ أي : يبدلون الإيصاء ، ولا يعود الضمير على التبديل . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ : أي : لأقوال الناس من موص ، وموصى له ، ووصي ، وشاهد . عَلِيمٌ : بأفعال الناس جميعا ، فيجازي كلّ واحد بما قال ، أو فعل ، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ، ولا في السماء ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : وقع أجر الميت الموصي على اللّه ، وتعلّق الإثم بالّذين بدّلوا . وهذه الآية في الوصية المحكمة المعمول بها إلى الآن ، وإلى يوم القيامة .